عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

484

اللباب في علوم الكتاب

قال القرطبي : سألاه التثبت والدوام و « الإسلام » في هذا الموضع : الإيمان والأعمال جميعا ، ومنه قوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [ آل عمران : 19 ] ، وكفى هذا دليلا لمن قال إن الإيمان والإسلام هما شيء واحد ، ويؤيده قوله تعالى : فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [ الذاريات : 35 ، 36 ] واللّه أعلم . قوله : « وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً » فيه قولان : أحدهما - وهو الظاهر - أن « من ذرّيتنا » صفة لموصوف محذوف وهو مفعول أول ، و « أمة مسلمة » مفعول ثان تقديره : واجعل فريقا من ذرّيتنا أمة مسلمة . وفي « من » حينئذ ثلاثة أقوال : أحدها : أنها للتبعيض . والثاني - أجازه الزمخشري - أن تكون للتبيين ، قال تبارك وتعالى : الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ [ النور : 55 ] . الثالث : أن تكون لابتداء غاية الجعل ، قاله أبو البقاء . والثاني من القولين : أن يكون « أمة » هو المفعول الأول ، و « من ذرّيتنا » حال منها ؛ لأنه في الأصل صفة نكرة ، فلما قدم عليها انتصب حالا ، و « مسلمة » هو المفعول الثاني ، والأصل : واجعل الأمة من ذريتنا مسلمة ، ف « الواو » داخلة في الأصل على « أمة » ، وإنما فصل بينهما بقوله : « مِنْ ذُرِّيَّتِنا » وهو جائز ؛ لأنه من جملة الكلام المعطوف ، وفي إجازته ذلك نظر ، فإن النحويين كأبي عليّ وغيره منعوا الفصل بالظّرف [ بين حرف العطف ] « 1 » إذا كان على حرف واحد وبين المعطوف وجعلوا منه قوله : [ المنسرح ] 786 - يوما تراها كشبه أردية ال * عصب ويوما أديمها نغلا « 2 » ضرورة ، فالفصل في الحال أبعد ، وصار ما أجازه نظير قولك : « ضرب الرجل ومتجردة المرأة زيد » وهذا غير فصيح ، ولا يجوز أن يكون أجعل المقدرة بمعنى أخلق وأوجد ، فيتعدى لواحد ، ويتعلق « من ذرّيتنا » به ، ويكون « أمة » مفعولا به ، لأنه إن كان من عطف المفردات لزم التشريك في العامل الأول ، والعامل الأول ليس معناه « اخلق » إنما معناه « صيّر » . وإن كان من عطف الجمل ، فلا يحذف إلا ما دلّ عليه المنطوق ، والمنطوق ليس بمعنى الخلق ، فكذلك المحذوف ألا تراهم منعوا في قوله : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) البيت للأعشى ينظر ديوانه : ص 283 ، وشرح شواهد الإيضاح : ص 124 ، ولسان العرب ( خمس ) ، ( نغل ) ، ( أدم ) ، الخصائص : 2 / 395 ، وشرح عمدة الحافظ : ص 636 ، والدر المصون : 1 / 370 .